الدرس الأوّل: خصائص التفكير اللغوي قبل ظهور اللسانيات الحديثة
الدرس الأوّل: خصائص التفكير اللغوي قبل ظهور اللسانيات الحديثة
أهداف الدرس :
·
أن يتعرّف الطالب
على تاريخ الفكر اللغوي قبل ظهور اللسانيات.
·
أن يميّز بين اللسانيات التاريخية واللسانيات الحديثة.
· أن يعرف منزلة تفكير
دي سوسير في تاريخ اللسانيات.
مقدمة:
شهدت الحضارات الإنسانية اهتماما
بدراسة اللغة البشرية. لكن اهتمامها كان مختلفا عن اهتمامات اللسانيات. فقديما
درست اللغة ضمن مجالات أخرى مختلفة عن اللغة مثل الدين والفلسفة اللسانيات.. في
المقابل لم تكن اللسانيات منعزلة عن هذا التراث فقد مثل اكتشاف التشابه بين اللغات
الأوروبية واللغة الهندية الشرارة الأولى القادحة لنشأة علم اللسانيات في مرحلته
التاريخية.
1- لمحة وجيزة عن تاريخ الفكر اللغوي في الحضارات القديمة:
منذ القديم انتبه الإنسان إلى أنّ
اللغة الطبيعية تميّزه عن سائر المخلوقات.
ولذلك كانت اللغة البشرية موضوع دراسة في العديد من العلوم القديمة مثل
الفلسفة والبلاغة والتفسير والمنطق والنحو. وقد شهدت الحضارات القديمة اشكالا علمية مختلفة من الاهتمام باللغة : اليونان
(الفلسفة) الهنود (التفسير) العرب (النحو) الرومان (البلاغة). لكن أهدافهم كانت
مختلفة عن اللسانيات.
1- 1 التفكير اللغوي
عند الهنود:
لقد كان اهتمام الهنود بدراسة لغتهم القديمة أقدم دراسة
لغوية صوتية في تاريخ الحضارات. ففي جنوب قارة آسيا اهتمّ الهنود بالمكوّنات الصوتية
والتركيبية والدلالية للغة السنسكريتية (اللغة الهندية القديمة) من خلال العالم
الهندي بانيني. كان بانيني أبرز من يمثل هذه المرحلة فقد اهتمّ بقواعد اللغة
السنسكريتية عند دراسته للنص المقدّس في الديانة الهندوسية (كتاب الفيدا). وتوصل
إلى وضع قواعد صوتية دقيقة ووصف خصائصها التركيبية والدلالية.
من المهمّ أن ننتبه إلى وجود تاثير للتفكير الهندي في نشأة
اللسانيات بداية القرن 19م (1800-1816..). كيف ذلك؟ وما علاقة التفكر الهندي
القديم (ق4 قبل الميلاد) بنشأة علم اللسانيات في ق19 م؟
ألقى السير وليام جونز الفيلولوجي والمستشرق البريطاني
محاضرة أمام الجمعية الآسيوية سنة 1786م عن «تاريخ وثقافة الهندوس» وكان يزور
الهند ويدرس ثقافتها إضافة إلى معرفته العميقة بالكثير من اللغات الأوروبية. ثم نشر
خطابه سنة 1788م. وانت عظيمة التأثير في الفكر اللغوي السائد فقد
أدّى ما ورد في محاضرته إلى اكتشاف التشابه الكبير بين اللغة السنسكريتية واللغات
الأوروبية وأدى انتشار خلاصاته إلى ظهور النزعة التاريخية والمقارنة في
الفيلولوجيا والنحو المقارن ثم تحوّلت النزعتان إلى ما بات يعرف باللسانيات
التاريخيّة في أوروبا. لقد كانت آراؤه سببا قادحا في نشأة اللسانيات.
1-2 التفكير اللغوي
عند اليونانيّين (الإغريق/ اليونان القديمة):
عرف اليونانيون التفكير في اللغة في مجال الفلسفة على يد
كبار الفلاسفة (أفلاطون، سقراط أرسطو). لقد كانت الإضافات التي قدمها فلاسفة
اليونان كبيرة جدا ومؤثرة في التراث الإنساني. وقد ساهم الفلاسفة العرب في حفظها
ونقلها إلى أوروبا وتعريف الأوروبيين بتاريخهم الفكري (منهم : الفيلسوف العربي الفارابي
لقّب بالمعلم الثاني بعد أرسطو. وابن سينا لقب بالمعلم الثالث والشيخ
الرئيس ابن سينا أمير الأطبّاء. ولا تزال
أفكار فلاسفة اليونان مؤثرة إلى اليوم في اللسانيات وسائر العلوم وقد ركزت على استجلاء
حقيقة النسق اللغوي لدى الإنسان، واعتبار اللغة عنصرا أساسيا في وجود الإنسان.
وقدمت مفاهيم وتصورات مازال يُعتمد عليها إلى حد الآن في الفكر اللساني.
تُعتبر المدرسة الرواقية ذات التأثير الأبرز ومن أعلامها
سقراط وأرسطو وأفلاطون. ويعتبر أرسطو الأشد تأثيرا والفيلسوف الأبرز في الحضارة
اليونانية ولا تزال كتبه إلى اليوم تدرس بشكل واسع وفيها الأفكار المؤسسة للمنطق
والبلاغة والحجاج والكتابة المسرحية...
1-3 عراقة التفكير
اللغوي عند العرب:
عرف العرب علوما لغوية متنوعة من أبرزها: النحو والصرف
والمعجم والبلاغة والصوتيات كما عرفوا علوما أخرى لا تخلو خلفية لغوية مثل العروض واصول الفقه والتفسير
والنقد. وقد تنوعت الآراء واختلفت وتعمقت كثيرا في المسائل المطروحة خاصة في مجال
النحو وعلم الأصوات والمعاجم مما أدى إلى ظهور مدارس متنافسة. في النحو (مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة) وفي علم
الأصوات (المدرسة النحوية/أو الطبيّة/ التجويد) في المعجم كانت هناك مدرسة القافية
ومدرسة الترتيب الألفبائي ومدرسة الترتيب الصوتي.
لقد كان للعرب حظ واسع من التفكير اللساني العريق وساهموا
مساهمات كبيرة في دراسة اللغة العربية والتفكير فيها. لكن هل عرف العرب اللسانيات؟
لا فاللسانيات علم وصفي حديث. والعلوم
اللغوية القديمة كانت علوما معيارية (تضع القواعد المعيارية للسلامة اللغوية)
فهل عرف العرب التفكير اللساني؟ نعم فهم فكروا في لسانهم
العربي صوتيا وصرفيا ونحويا وبلاغيا ومعجميا. وقلنا تفكير "لساني" نسبة
إلى اللسان العربي المبين وليس نسبة إلى "اللسانيات". لقد كان العرب
سباقين قبل أوروبا بقرون طويلة إلى أول تأليف أوّل معجم لغوي وفي مقدمته ظهر أول
تفكير معجمي (معجم العين للخليل).
لكن تأسيس اللسانيات لم يستفد من جهود العرب ولم ينتبه
المؤرخون الأوروبيون إلى قيمة التراث
اللغوي العربي إلا بعد وقت طويل من تأسيس اللسانيات.
1-4
التفكير اللغوي عند الرومان:
اشتهرت الحضارة الرومانية بتشييد المباني والأسوار أكثر من
شهرتها بالعلوم. وقد سيطر الرومان عسكريا على القارة الأوروبية والبحر المتوسط
وشمال إفريقيا لقرون عدة. وقد ورثت الحضارة الرومانية عن الحضارة اليونانية علومها وأسس تفكيرها لكنها
استطاعت أن تصبغ عليها خصوصيتها من خلال:
-
مساهمة
الرومان في مجال الدراسة اللغوية، مع التركيز على الجانب الدلالي والجانب البلاغي.
-
ظهور
علماء من أبرز اللغويين الرومان: كوانتليان وفارون ودوناتيس وبرشيان.
-
نقل أصول النحو اليوناني وقواعده إلى اللغة
اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للحضارة الرومانية (اللاتينية تطورت اليوم إلى
الإيطالية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية)
-
تصنيف
هؤلاء اللغويين الرومان للغات إلى لغات لاصقة ولغات عازلة ولغات متصرّفة.
2- ما قبل ظهور اللسانيات: الفكر اللغوي في القرنين 18م و19م :
ظهرت اللسانيات في أوروبا مع بداية القرن 19 م
(1800-1816-...). فما الذي حدث في المجتمع
العلمي الأوربي حتى يظهر هذا العلم؟ وهل كان للتراث الهندي والأوروبي تأثير
في هذا الظهور؟
1-2- الفكر اللغوي قُبَيْل ظهور اللسانيات : القرن18م
(1700---1786م)
يمكن اعتبار المرحلة التي سبقت ظهور اللسانيات في القرنين
الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر مرحلة التمهيد للسانيات: لقد كان التفكير فيها
منصبا على التأمل العقلي في اللغة والبحث الفيلولوجي في التاريخ المكتوب للغات.
وفي القرن الثامن عشر (1700--1786) كانت الفيلولوجيا (فقه اللغة) هي العلم المسيطر
على البحوث والكتب. وعلم الفيلولوجيا (فقه
اللغة) دراسة اللغة في الحضارات القديمة من خلال الوثائق المكتوبة. لكن علم
الفيلولوجيا لم يكن دائما علما مهتما بحقيقة اللغة في ذاتها بل كانت دراسته تسعى
إلى معرفة ثقافة الشعوب وتصنيفها.
لقد مثل اكتشاف القاضي وليام جونز للتشابه بين اللغات
السنسكريتية والأوروبية الحدث الأبرز ومع
نشر محاضرته سنة 1788م فبعدها بدأ الانتشار الواسع لمنهج المقارنة والبحث التاريخي
وتصنيف اللغات. فمع اكتشاف السير وليام جونز التشابه بين اللغات الأوروبية واللغة
الهندية (1786م) برز فرق بين الفيلولوجيا التي تهتم بلغة محددة من خلال وثائقها
التاريخية والفيلولوجيا المقارنة التي تهتم بالمقارنة بين الآثار المكتوبة بين
اللغات المختلفة وتسجل الفوارق والتشابه بينها وتصنف اللغات إلى أسر كبرى وفروع. لقد
كانت الفيلولوجيا المقارنة بعد نشر آراء السير وليامز جونز تمثل بداية منهج
المقارنة بين اللغات وبداية المنهج التاريخي. ثم تطور المنهج المقارن والتاريخي إلى
تسمية علم النحو المقارن وهو علم يهتم بالمقارنة بين قواعد اللغات لكنه يركز على المقارنة
بين اللغات صوتيا وتركيبيا حتى صار يُعرف عند المتأخرين بما يمكن تسميته في أواخر
القرن: اللسانيات التاريخية.
1-3-
اللسانيات في قرنها الأوّل: من النحو المقارن إلى اللسانيات التاريخية:
النحو المقارن هو الصيغة العلمية التي انتهى إليها البحث
اللغوي للمقارنة بين اللغات المختلفة ومعرفة تاريخ تطورها. وقد استعمل مصطلح النحو
المقارن على نطاق واسع باعتباره وريثا للفيلولوجيا المقارنة وبديلا عنها في تقديم
دراسة موضوعية. لأن الفيلولوجيا المقارنة تبحث عن أصل اللغات وتفاضل بينها ولا
تبحث دائما عن الحقيقة العلمية. لكن لاحقا تحول مصطلح "نحو مقارن" مع
استيفائه شروط العلمية إلى التسمية: " اللسانيات المقارنة" خاصة في
الفترة المتأخرة من القرن التاسع عشر. ومع ذلك يمكن اعتبار النحو المقارن هو المظهر الأوّل للسانيات
التاريخية ففي كثير من الدراسات يُشار بعبارة نحو مقارن إلى ما بات يعرف اليوم
باللسانيات التاريخية التي شهدت أوج ازدهارها في نهاية القرن التاسع عشر.
1-4-
اللسانيات التاريخية والنحاة الجدد:
النحاة الجدد (The Neogrammarians) علماء
لسانيون شبان من ألمانيا ظهروا بعد قرن من
ظهور آراء السير وليام جونز (1876م). فبعد
أن استقرت اللسانيات علما تاريخيا مقارنا كانت آرؤهم تمثل نضج الطابع العلمي في
اللسانيات التاريخية. كان هؤلاء اللسانيون يمثلون مرحلة انتقال النحو المقارن والفيلولوجيا إلى اللسانيات التاريخية
بطابعها العلمي فقد ركزوا على وضع مبادئ علمية دقيقة تصف كل الظواهر المستثناة.
فأعادوا الشاذّ إلى نظام اللغة في تطوره خاصة الظواهر الصوتية. وعادوا إلى ما كان غير خاضع إلى القواعد وحاولوا رده إلى القياس ليكون
جزءا من انتظام اللغة. وقد كانت آراؤهم مؤثرة ومساهمة في تطور اللسانيات التاريخية
ووصولها إلى الدقة والصرامة العلمية. ومن أشهر مساهماتهم تقديم تصور نظري يفسر ما
كان شاذا في قوانين غريم الصوتية.
أشهر هؤلاء النحاة
الجدد كارل
بروجمان (Karl Brugmann) ، وهيرمان أوستهاف (Hermann Osthoff) وأوغست ليسكين (August Leskien)،
وهيرمان بول (Hermann Paul).
3- منزلة فكر دي سوسير من تاريخ الفكر اللغوي:
في هذه البيئة ذات النزعة التاريخية نشأ فكر دي سوسير فقد
كان لسانيا مهتما طوال حياته بالمنهج التاريخي المقارن. وقد كتب فيه ونشر كتبه
وبحوثه المتصلة بهذا المنهج.
لكن قبل وفاته ألقى دروسا حول اللسانيات سلط فيها الضوء
بتفكير عميق حول مفهوم اللسانيات وما تتطلبه لنعرف نظام اللغة العربية وتوصل إلى
خلاصة:
· المنهج التاريخي المقارن (اللسانيات التاريخية
التي كان واحدا من المهتمين بها) لا يكفي
لنعرف ماهية اللغة ونعرف نظامها.
· من الضروري اعتماد منهج جديد لا يعوض المنهج
التاريخي وإنما يقدم رؤية مختلفة عنه وهو المنهج الآني الذي يقدم تصورا دقيقا حول
نظام اللغة الآن وليس عبر التطور الزمني. (الآنية نقطة في خط التطور الزمني لا
تهتم بالنظام كيف كان وكيف تطور بل كيف هو الآن: ما هي خصائصه الآن.)
· كان تأثير أفكار دي سوسير عظيما فبسببه انتقلت
اللسانيات من التاريخية إلى البنيوية.
· تأثير دي سوسير وصل إلى سائر العلوم الإنسانية
مثل النقد والاسلوبية والأنتربولوجيا والسيميائية.
· كان سببا في نشأة تيار علمي منهجي كبير ميز
القرن العشرين: "البنيوية" مع أنه لم ينطق في دروسه يوما كلمة بنية. لقد فعل كل شيء لينشأ
هذا التيار مع أنه لم يذكر مصطلح بنية.
تعليقات
إرسال تعليق